تطور وصول النساء إلى سوق العمل والعقبات المستمرة: ظاهرة السقف الزجاجي
ابتداءً من الستينيات، أدى الدخول المكثف للنساء إلى سوق العمل إلى إحداث تغيير جذري في المجتمع، مما ساعد على تمكينهن وتقليل الفجوات بين الرجال والنساء في العمل. ومع ذلك، فإن تاريخ المساواة المهنية، الذي يميز بظاهرة متناقضة، لا يزال بحاجة إلى استكمال: ففي الوقت الذي تشارك فيه النساء بشكل أكبر في النشاط الاقتصادي للبلاد وقد تم اتخاذ العديد من التدابير التشريعية لصالحهن، يظل عالم العمل متحيزًا بشدة ضدهن. في الواقع، حتى اليوم، العديد من النساء، رغم مؤهلاتهن وكفاءاتهن، لا يواصلن المسار المهني الذي يستحقنه. تواجه النساء، منذ دخولهن سوق العمل، حواجز تعيق تطورهن المهني وتحد من وصولهن إلى قمة المنظمات. لم تحظ قضية الفجوات بين الرجال والنساء في الإدارات بعد بكل الاهتمام الذي تستحقه.
على الرغم من أن النساء حصلن على التعليم منذ عدة عقود، بما في ذلك أفضل وأرقى المدارس والجامعات، إلا أنهن ما زلن يواجهن صعوبات أكبر من الرجال طوال مسيرتهن المهنية، كما أنهن نادرًا ما يصلن إلى المناصب الإدارية بسبب عوامل هيكلية وثقافية متعددة. يتعرض تقدم النساء نحو المناصب القيادية لحواجز غير مرئية تمنعهن من الصعود في التسلسل الهرمي، ويطلق على هذه الحواجز مصطلح "السقف الزجاجي".
السقف الزجاجي: الحواجز غير المرئية والتمييز في الوصول إلى المناصب الإدارية
يشير مفهوم السقف الزجاجي إلى نقص المساواة بين الجنسين في الوصول إلى المناصب الإدارية والرواتب المرتفعة داخل المنظمات. وهي نظرية غربية من علوم الإدارة الحديثة، ظهرت في أواخر السبعينيات، وتدور حول الحاجز الذي يمنع النساء من الوصول إلى المناصب القيادية كنساء، على الرغم من كفاءتهن أو تفوقهن على الآخرين. الرجال في نفس المجال، لكن وصولهم لا يواجه سوى سقف وهمي غير معلن يُعرف بالسقف الزجاجي، وهو تعبير عن احتكار المناصب (الإدارية) الراقية لمجموعة معينة من الأشخاص وفقًا للتمييز، سواء كان على أساس الجنس أو اللون أو غيره. يُطلق عليه سقف لأنه يُحدد للذين لا ينتمون إلى المجموعة المهيمنة حدودًا واضحة بخصوص مدى تقدمهم المسموح به في صفوف المنظمة.
لذلك، فإن ظاهرة السقف الزجاجي هي ظاهرة عالمية تعاني منها جميع النساء في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء. وهي تعكس وجود حواجز وهمية قائمة على التقاليد والعادات، أو على تحيز إداري أو تنظيمي يمنع الأشخاص المؤهلين من الوصول إلى المناصب القيادية داخل منظماتهم.
إنها إشارة إلى غياب الأسباب الموضوعية التي تمنع النساء من الوصول إلى المناصب العليا، حيث أنها ناتجة عن بعض الأفكار والانطباعات حول أداء النساء وتحامل تنظيمي لصالح الرجال.
الأصول الأدبية للسقف الزجاجي: تأمل في أسطورة إيكاروس في رواية ساند
بدأ استخدام مصطلح السقف الزجاجي في عام 1839، في رواية "غابرييل" (1839)، حيث تحكي ساند قصة فتاة (غابرييل) تربت كولد. تحكي غابرييل حلمها لمُدرسها: «كان لدي أجنحة وكنت أطير فوق العوالم نحو عالم مثالي... وكنت فتاة متوجة بالزهور ومرتدية ثوبًا طويلًا انسيابيًا.» عندما يرد المربي المكلف بتعليم تلميذه في طفولته : «إذن كنت ملاكًا وليس امرأة»، تقول غابرييل: «كنت امرأة؛ فجأة انهارت أجنحتي، وغلق الإيثر حولي، ورأسي أصبح كقبة كريستالية لا تخترق، وسقطت، سقطت... وكان حول عنقي سلسلة ثقيلة وزنها يسحبني نحو الهاوية؛ ثم استيقظت، منهكة بالحزن والكسل والخوف. الرسالة واضحة في تكييف ساند المؤنث لأسطورة إيكاروس: المرأة التي تطمح لتجاوز جنسها محكوم عليها بالفشل».
وقد فُسرت هذه العبارة على أنها وصف لحلم البطلة بالطيران بأجنحة، وكذلك وصف لامرأة تحاول أن ترتقي فوق الدور المتوقع لها.
ظهور مصطلح "السقف الزجاجي": أول استخدام وسياق
بدأ استخدام مصطلح "السقف الزجاجي" في مايو 1978، عندما أطلقته مارلين لودن في خطابها خلال جلسة نقاش عُقدت في نيويورك حول طموحات النساء والعقبات التي تواجه تحقيق أهدافهن.
لكن مصادر أخرى تشير إلى أن أول استخدام للمصطلح كان بواسطة الأمريكيتين كاثرين لورانس ومارين شيبر في عام 1978 خلال المؤتمر السنوي لمركز النساء من أجل حرية الصحافة في واشنطن، حيث ذكرت "السقف الزجاجي". وأكدت أن الشركات الأمريكية تدعي أن السماء هي حدودها، ولكن في الواقع، لهذه السماء سقف زجاجي غير مرئي يحد من تقدم النساء.
ظهر المصطلح مرة أخرى مكتوبًا في مقابلة للكاتبة والصحفية الإنجليزية غاي براينت في مارس 1984، نُشرت في مجلة Adweek الأمريكية. وفي ذلك الوقت، قالت براينت إن النساء يصلن إلى مستوى معين في سلم المهنة ويتوقفن هناك دون معرفة السبب، لأن الحاجز يشبه سقفًا غير مرئي.
انتشار واعتراف بظاهرة "السقف الزجاجي": تقارير ومبادرات
انتشر المصطلح بشكل أوسع بعد ذكره في تقرير نشره Wall Street Journal في 24 مارس 1986، أعده كارل هايمويتز بالتعاون مع تيموثي د. شيلدرت، بعنوان «السقف الزجاجي: لماذا لا تستطيع النساء كسر الحاجز غير المرئي الذي يمنعهن من الوصول إلى المناصب الإدارية؟» وتناول التقرير العقبات غير الملموسة التي تواجه النساء في المؤسسات والشركات والتي تؤثر عليهن أكثر من التمييز المعلن.
في عام 1991، أقر الكونغرس الأمريكي بأن عددًا أكبر من النساء يدخلن سوق العمل، لكن تمثيلهن في المناصب الإدارية لا يزال محدودًا. لذلك قرر الكونغرس إنشاء لجنة السقف الزجاجي لاكتشاف الأسباب التي تمنع النساء والأقليات من الوصول إلى أعلى المناصب. نشرت لجنة "السقف الزجاجي" تقريرها في 1995، مؤكدة أن ضعف البيانات المتعلقة بالتوظيف في الشركات ونقص التنوع بين العاملين يؤدي إلى نسبة منخفضة من تمكين النساء في المناصب القيادية.
المبادرات والملصقات لتعزيز المساواة بين الجنسين في بيئة العمل
في الواقع، في ذلك الوقت تم تأسيس "اللجنة الفيدرالية للسقف الزجاجي". تتمتع هذه اللجنة بوسائل كبيرة، وتتألف من 21 عضوًا. وتتمثل مهامها الرئيسية في تحديد العقبات أمام تقدم النساء في سوق العمل، والعمل على إيجاد الحلول لها. لاحقًا، في عام 1997 قدم مكتب العمل الدولي تعريفًا أكثر تفصيلًا للسقف الزجاجي.
بعد ذلك، في عام 2004، تم إنشاء ملصق "المساواة" في فرنسا لتعزيز المساواة بين الرجال والنساء وتشجيع التعددية المهنية. ومع ذلك، فإن معايير منح هذا الملصق كانت ذاتية جدًا.
في بلجيكا، تم إنشاء ملصق اجتماعي في عام 2002، ويأخذ من بين معاييره المساواة بين الجنسين. مؤخرًا، في عام 2007، تم إنشاء ملصق التنوع لتعزيز التنوع في أماكن العمل في بلجيكا، ودعم المنظمات التي تطور سياسات التنوع. وبالتالي، يساهم هذا الملصق في تعزيز المساواة بين الجنسين. ومن الجدير بالذكر أن هناك حوافز وتشريعات أخرى تم تنفيذها لتعزيز تقدم النساء في بيئة العمل.


0 التعليقات:
إرسال تعليق